مروي ذكريات ومذكرات .. الحلقة الأولى

image

شرفي – الكابلي – وقيع الله
أحمد إبراهيم أبوشوك

تمهيد
بعض المدن والقُرى السُّودانية لها صور حيَّة في أذهان الناس، رسمها المبدعون في شكل لوحاتٍ شعريةٍ ونثريةٍ بالغة الجمال، معبرةٍ عن مكنون مشاعرهم وأحاسيسهم المولعة بحبِّ تلك الديار، ونذكر من هؤلاء الشاعر عبد الله محمد خير الذي أنشد في إحدى قصائده الحسان، مادحاً قرية أرقي بقوله: “أرقى يا رحمن في السماح مافي بلداً بتجاكرا *** الله مديها سماحه صاح من كروها ولى تكرا”، وجاراه الشاعر حاتم حسن الدابي، معاتباً إياه بعدم ذكر القرير، ومساجلاً بقوله: “القرير جوهرة الشمال وأنت دايريها محاسنا*** وفي المقام زي ذات العماد***هيبته وعزة ساكنا”، وقبل هؤلاء جميعاً أنشد الأستاذ عبد الكريم الكابلي لمروي، معدداً محاسنها في صورة شاعرية زاهية، استهلها بقوله: “فيك يا مروي شفت كلَّ جديد *** فيك شفت عيون لعبو بى شديد *** وانكويت بالنار من زهور فى خديد”. ولعمري أنَّ هذه الشواهد المختارة تكتنز نفيساً من نفائس القيم الجمالية الملهمة للإبداع، بأبعادها الحسية المختلفة، التي تجمع بين عبقرية المكان وتجليات الذات الإنسانية خُلُقاً وخِلْقَةً. ودون تقدير لذلك تكون نظرتنا، نظرة سطحية متجاوزة لإيماءات ذلك الواقع الرمزية؛ لأنها بسطحيتها تعطي الأولوية لصوت الحدس الظاهر على حساب خفقان المشاعر الصامتة التي صورها المبدعون في لحظات صفاء ذهني سامقةٍ، ومتأثرةٍ بإيقاع مشاعرهم الذوقية المختلجة مع أنفاس عواطفهم الجياشة. وعندما هذا المنعطف يصدق قول الأستاذ الكابلي: “وبعد حوالي الأربع سنوات من عودتي [إلى الخرطوم]، جاء رجل وسيم الطلعة إلى مكتبنا بالمستخدمين، يسأل عني. وقال: لي بلهجة لم تخل من الحدة، بأنه قد جاء ليسألني سؤالاً محدداً مباشراً: ما الجديد الذي وجدته في مروي؟ كما ورد في اغنيتي “فيك يا مروي شفت كل جديد” قلت له: هل نتعرف على بعضنا بعضاً؟ قال بأنه طبيب واسمه فلان الفلاني، وأنني قد أضعت من عمره سنتين بالتمام والكمال؛ لأنه وبناءً على ما ورد في أغنيتي طلب أن يُنقل إلى مروي للعمل بمستشفاها؛ ليرى هذا الجديد الذي يغري بالرؤية. قلت له: “إنهم الناس الذين عرفتهم إلى جانب التجربة المفيدة التي خرجتُ بها من مروي في مقتبل عمري.”
تقودنا هذه الإجابة الموجزة، والموشحة بمعاني الإنسانية، وآيات الوفاء والعرفان لمروي أرضاً وشعباً إلى طرح حزمة من الأسئلة الجوهرية: ما سرّ جمال مروي الذي غنى له الأستاذ الكابلي، وكتب عنه الإداري حسين محمد أحمد شرفي، ووثَّق له الإداري بشير حسن وقيع الله؟ وما علاقة مروي بهؤلاء الأعلام الثلاثة؟ وهل عبقرية مكانها وتجليات ذاتها الإنسانية جعلتهم يضعونها واسطة عقد في ذكرياتهم ومذكراتهم ؟

مدينة مروي الإرث والتاريخ
تقع مدينة مروي الحديثة على الضفة الغربية لنهر النيل، وقد شُيدت بالقرب من آثار مدينة صنب أبو دوم (أو صنم) التي يرجع تاريخها إلى العهد النبتي (900-270 ق.م.)، حيث توجد بها مقبرة كبيرة، تضم 1500 قبرٍ، ومعبداً للإله آمون، وقصراً ملكياً. وتُعدُّ تلك المقبرة دليلاً أثرياً على وجود استيطان بشري في المنطقة منذ وقت مبكر من عمر الدولة الكوشية (مروية). وقبل مجيء الغزو التركي المصري عام 1820م وكان اسم مروي يطلق على مروي شرق، مركز ملوك الشايقية العدلاناب. وفي العهد التركي المصري (1821-1885م) أضحت مروي (صنب أبودوم) رئاسة لخط مروي الإداري، إلى أن حررها أنصار المهدية بقيادة الطيب السورابي عام 1884م، وخربوا مكاتبها الحكومية، واستولوا على خزينة الدولة، وشونة الغلال. وفي عهد المهدية (1885-1898م) جعلها الخليفة عبد الله رئاسة لخط مروي الإداري، وعَيَّن عليها الشيخ محمد أحمد كنيش. وبعد سقوط المهدية جعلها سردار الجيش الغازي معسكراً لتموين حملة بربر المتجهة صوب الحاضرة أمدرمان، ثم بعد ذلك أضحت مأمورية إدارية، ثم مركزاً لرئاسة منطقة مروي الكبرى الواقعة بين الباجة شمالاً، وأمري جنوباً. وعندما ضُمت مديرتي دنقلا وبربر في مديرية واحدة تُعرف بالمديرية الشمالية، أضحت مروي رئاسةً لمركز موحد يضمُّ مجلسي ريفي مروي وريفي دنقلا. وفي ضوء قانون الحكم الشعبي المحلي لسنة1971م قُسم مجلس ريفي مروي إلى ثلاث وحدات إدارية، شملت مجلس ريفي مروي الشعبي، ومجلس ريفي كريمة الشعبي، ومجلس ريفي الدبة الشعبي.
وفي عهد الاستعمار الإنجليزي المصري (1898-1956م) شُيد بمدينة مروي العديد من المرافق الحكومية، والخدمية المهمّة التي اكسبتها شهرة واسعة في المنطقة، ونذكر منها رئاسة المركز، والمصالح التابعة له، والمدارس بمراحلها المختلفة، والسجن، والمستشفى، وبيوت الموظفين العاملين في الدولة. وفي تلك الأثناء ارتبط اسمها بالسير هاربرت وليم جاكسون (1961-1931م)، الذي درس في بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، ثم التحق بالجيش المصري، وانتدب لخدمة حكومة السُّودان عام 1899م. عمل مديراً لمديرية بربر (1899م)؛ ثم سكرتيراً إدارياً، ونائباً للحاكم العام (1900-1901م). وبعد انتهاء خدمته بمكتب السكرتير الإداري عاد مديراً لمديرية بربر عام 1902م، ومنها انتقل إلى مديرية دُنْقُلا (1902-1922م)، حيث قضىَ أطول سني خدمته بالسُّودان، ومن دُنْقُلا انتقل إلى وظيفة مفتش عام في الخرطوم (1922-1923م)، ثم تقاعد للمعاش بمدنية مروي، حيث أدركته المنية عام 1931م، ودُفن جثمانه بالمدينة التي أحبها واختارها موطناً لمعاشه، وأُقيم على قبره نصب تذكاري.

كلمات ذات صلة

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق