إنسان الريف بين الوعي الثقافي و السلوك الحضاري

2 (2)

الخرطوم .. عمار مكي الرشيد

هل الريف مذمه ؟

– لماذا يعتبر البعض بان الريف منقصه او تخلف ؟
– ماهي خصائص التحضر ؟
– كيف يمكن ان نميز بين الوعي الثقافي و الجهل به ؟
– الي اي مدي يساهم انسان الريف في الابداع الفطري ؟
– هل هناك معايير إجتماعيه تضع انسان الريف في مرتبه متاخره بقائمه التميز ؟

مدخل :-
تدور هذه الاسئله في اذهان الكثيرين و للاجابه عليها موضوعيا” لابد من الخوض في العديد من المحاور التي من شأنها توضيح بعض اللبس الذي صنع غمامه من الضبابيه منعت الاذهان من التمتع بواقع مستنير و حقيقي …

مقدمه :-
منذ العهود الاولي و بالتقريب عند اندلاع الحرب العالميه الاولي عاني الانسان من العديد من الظواهر السالبه التي القت بظلالها علي نوع العلائق البشريه و مآلاتها و تبعياتها و ما ان لبث الانسان من انقضاء الحرب الا و انتشرت بالمجتمعات الغربيه و الشرقيه امور رجعيه مفادها التمييز العنصري و الصراع الطبقي و الدونيه و البرجوازيه و العديد من المفاهيم المجتمعيه انذاك و تحت سقف السلم و الامن لم يكن الاستقرار واقعا” معاشا” بل التفرقه ظلت هي المحكم بين الشعوب و القانون الشعبي الذي يدير شؤون الحياه بشكل غير رسمي او لوجستي …

(إسقاطات المجتمع علي إنسان الريف)

ان عباره الريف اصطلاحا” تعني الحياه البسيطه المتصفه بالملمح الشعبي (التقليدي) و فئات مجتمع الريف تعيش في ظروف بيئيه طبيعيه و النشاط المعتاد متعلق بمقومات الطبيعه البحته مثل الزراعه و الرعي و ليس هناك ادني وصال لمعاني الرفاهيه الفائقه او التطور المذهل …
عبر العديد من منابر احاديث الانيس و ارهاصات التداول يعبر بعض من الناس بعدم وعي يهين من انسان الريف كونه متخلف و رجعي و متاخر عن المجتمع العصري ثقافيا” و تعليميا” و معرفيا” و لكن هذا الافتراء ليس له ادني اقتراب من معالم الصحه او الحقيقه فقيمه الانسان ليست بما يعلم و لكن بما يمكنه فعله في ظل امكانياته المتاحه و وعيه بدوره بالمجتمع …
السلوك الحضاري و الوعي الثقافي مفاهيم انسانيه و اجتماعيه ليست لها علاقه بمستوي التعليم او الفكر (المتخصص) او موفور المعارف و انما هي كيانات معنويه لها مدلولاتها المتمثله في الصدق و الشفافيه و الايجابيه و في ظل وجود الاعلام البديل ( فيس بوك – تويتر – انستغرام – واتس اب) لم تعد هناك فجوات بين الناس فيما يخص التواصل الثقافي او المراسله او اكتشاف سبل المعرفه فالاساس في المعرفه هو امتلاك القناعه بالبحث و الادراك و ليس بالمظاهر او الممتلكات او الارصده …
اذا تمت مقارنه انسان الريف و انسان الحضر من حيث الوعي الثقافي و السلوك الحضاري لا اعتقد ان هناك فرق او اختلاف فالعقل موجود في النوعين و بامكانه معالجه كل امور الحياه بغض النظر عن البيئه الجغرافيه او منبر التواجد ففي ظل الفضاء المفتوح و تعدد وسائل التثقيف تظل المساله متعلقه بالرغبه الشخصيه و الطموح الذاتي و ليست المقارنه امر يخص الفروقات الطبقيه او الاجتماعيه …
في حياتنا البشريه هناك تقاليد و اعراف و قوانين تجعل التعايش سهل و انسيابي و من هذه الاعراف المساواه في الحقوق و الواجبات و لا يتطرق قانون التعايش لمساله الطبقيه او النوع و انما يختص بشؤون الانسان نفسه المتعلقه باموره العامه و عن سلوك التبادل المعرفي و المثاقفه فهي قناعات شخصيه و ظروف متفرقه تضع الانسان اما في موضع المتلقي او موضع المرشد او المثقف و الثقافه لا ترتبط بوطن او رقعه سكنيه و انما بمجموعه مفاهيم و تعاريف تساهم في الارتقاء بالمجتمعات الحضريه و الريفيه معا” …

(خلط واجب التصحيح)

من يربط التثقيف او المعرفه بالمستوي الاجتماعي او المادي فهو جاهل و غير عقلاني و لابد له من مراجعه دائره التحكيم المنطقي بعقله فكيف نربط المعرفه بمكان النشأه و المعرفه تخترق الحواجز الجغرافيه و الحدود الدوليه باسطه نفوذها التعريفي و التعليمي بدون مقابل او شروط ميدانيه و هل يعقل ان يشترط المرشد الثقافي بتوزيع المعرفه بحسب البيئه او المكان ؟
فاذا تحدثنا عن انسان الريف من حيث مقدار المعارف و الابداع و المخزون الثقافي فقد يتفوق علي انسان الحضر بمنطق مزيج التكوين فالكل يعرف ان الانسان الريفي اكثر الفئات عرضه للتجوال و التوسع الاحتماعي لدواعي اقتصاديه و اجتماعيه و نفسيه و من يمتلك سعه و رحابه هو اكثر عرضه للمعرفه و التثقيف …
اذا ساءت الخدمات الاساسيه (صحه- تعليم- بيئه) باي مكان هذا لا يعتبر خصما” علي مقدار المعارف او المعلومات فمنابر التثقيف متعدده اما وسائل رسميه مثل الدور الاكاديميه او وسائل الاتصال الجماهيريه او الاعلام البديل و المواقع الالكترونيه فالعالم اصبح مجرد غرفه تحتوي علي كل انواع المعارف الموثوقه و المعلومه المصدر و عن كيفيه تدويرها فعليا” هذا الامر متعلق بالنشاط الانساني المطلق و ليس الموجه او الرسمي …
و قطعا لابد من بيان قيمه انسان الريف الاجتماعيه في ظل التساوي المتباين و هذا الامر يمكن توضيحه بالاشاره لملامح السلوك الحضاري و الوعي الثقافي و فيما يلي نورد بعض النقاط الاساسيه :-

(ملامح الوعي الثقافي)

الادراك :-
ان وظيفه الادراك موجوده داخل اي عقل و نشاطها الاساسي هو التفريق بين ماهيه الاشياء و معرفه مواضع الصحيح و الخطأ و وجود خلفيه يسيره من شأنها اداره المفاهيم المختلفه بوضع كل مفهوم في اطاره الصحيح دون تحريف او تبديل
زخيره المعلومات:-
ان موفور المعلومات يسهل من عمليه المعرفه و التحقق و من دواعي النقاش و التحاور هو امتلاك معلومات كافيه تتيح للانسان سعه او حيز مقدر يمكنه من عمليه التنوير او التعريف عن الاشياء و كلما زادت زخيره المعلومات تضاءلت نسبه الجدال و تقلصت فرص التشويه المعرفي او التضليل و الثقافه في علمها الاصطلاحي هي معرفه شي عن كل شئ و العلم هو معرفه كل شئ عن شئ واحد و لابد من الاشاره لهذا الاختلاف الضمني
مستوي الفكر:-
لا يتقيد مستوي الفكر بخصائص التعليم الاكاديمي البحت و انما يختص بالوعي الذاتي لحقيقه الاشياء و كذلك يرتبط هذا الامر بالمهارات الفرديه في مساله التفسير و التحليل و التنقيب و البحث و من شان اي انسان إداره هذه العمليات الذهنيه بعيدا عن المؤوسسات التعليميه و شانه شان السلوك الفردي المختص بتنميه القدرات الذاتيه و من هنا تصقل المواهب

مقدار المعارف الغير منتظم:-
لا يرتبط مقدار المعارف بمكان او ميقات فقد تاتيك المعلومه من صحيفه يوميه عن طريق الصدفه او قد تاتيك من شخص متخصص في حوار مزدوج او قد تاتي عبر التلفاز ببرنامج عرضي و عنصري المكان و الزمن ياتيان بشكل ترادفي و غير منتظم و الانسان في ظل حركته الدؤوبه و التجوال يعتبر عرضه للتثقيف او التعريف كيف لا يحدث هذا و المذياع بالسياره الخاصه قد يعتبر منبر شامل لكل انواع المعارف

الظروف الاجتماعيه و النفسيه :-
و هذه الظروف ترتبط بالرغبات و المحيط العام و اي انسان يمتلك العديد من الرغبات و الاهداف طيله حياته و في ظل هذا السعي قد تتحقق العديد من المعارف التي تقود لما يصبو اليه بشكل مباشر او غير مباشر و كذلك محور الاختلاط بالاخرين لمختلف الظروف قد يولد شئ من المعرفه في ظل تبادل الاراء و مناقشه امور الحياه المختلفه
(الانسان و السلوك الحضاري)

ان سلوك الانسان الشخصي ليس بالضروره ان يكون مؤشر لمكان تواجده او دليل علي جهه الانتساب و انما هو مفهوم عام و متعدد المحاور يعبر عن خصائص ذهنيه و نفسيه تختص بالانسان نفسه و ليس بيئته او مسقط راسه فالعدل الرباني في مساله توزيع المنح العقليه و المكون الشخصي لم يضع تمييز و انما جعل مساله التفوق متروكه للانسان فهو كائن حي قابل للتطور و التغيير و التجديد و كم من اساطير و شخصيات قوميه كانت جذورها من الريف …
فالابداع الانساني لا يتقيد بمكان او مؤهل و انما هي مجموعه مواهب فطريه تحمل رغبات حقيقيه وجدت ظروف ملائمه فسارت في طريق الابداع الي ان حققت امجادها …
و واقع التعامل او التعايش لاينسب لبيئه و يمنع من بيئه اخري فالحضاره كالاوكسيجين تجدها بكل المناطق و المواقع فالسعي لنظافه البيئه و انشاء البني التحتيه و الاهتمام بالخدمات و غيره من الانشطه هي مجموعه رغبات توجد بالريف و الحضر و التخلف و الرجعيه مرتبطه بالعقل الانساني الجمعي و ليس بالمظاهر او الملامح العمرانيه …
فمن يطلع علي الاخبار في الراديو بمناطق الريف يجد كل المطلوب مثلما يجده انسان الحضر و اذا كان انسان الحضر يهتم بالقيم و المثل و القوانين فمن قال ان انسان الريف يجهل هذه المسائل ؟
و كيف نسمح بان يكون الميزان مختلا” و ظالما” في ظل عدم وجود اي فروقات بين الريف و الحضر من حيث الوعي الثقافي و السلوك الحضاري ؟
اذا نخلص من هذا المقال لعده نقاط اهما” ان انسان الريف مبدع و مميز و يحمل مقدار طيب من الثقافه و السلوك الحضاري و حتي ان انتقل عن الريف فهو يظل حاملا للاصاله و العراقه التي كانت سبب في تكوين شخصيته العامه و الدليل علي هذا الامر هو السعي للتعريف عن ثقافته الخاصه و التعبير عن موروثه الثقافي الاصيل بكافه المنابر كنوع من المكون الاجتماعي و البيئي و من يطالع المنتديات الثقافيه التي تحمل مسميات التراث الشعبي يجدها تتمتع بكامل الخصوصيه بل فرضت نفسها بقوه كاحد المقومات الثقافيه الوطنيه و امتد الامر بان روج لهذا الارث ليكون ماده دسمه يتناولها كل انسان و الاصل يزداد وضوح كلما تم التعبير عنه بشكل لائق و حقيقي …

(نماذج للسلوك الحضاري القومي)

من يتسم بالشفافيه و الوضوح من علي منبر العدل و الحقيقه فهو حضاري

من يقدم المعروف و يحب الخير للاخرين بمفهوم الاحسان فهو حضاري

من يغير علي الموروث الثقافي و يحمله كمبدا اصيل فهو حضاري

من يستعرض ثقافته و بتشارك بها مع الاخرين بمنطلق التثقيف فهو حضاري

من يدافع عن الحقوق العامه و يستخدم المرافق العامه بحب و انتماء فهو حضاري

من يناصر الضعفاء و يرفض الظلم و القهر بمسمي الانسانيه فهو حضاري

من يحسن الاستماع و يعطي فرصه للاخرين فهو حضاري

من يحترم الاخرين و يبادلهم الحب و الوفاء بلا مقابل او رياء فهو حضاري

من يشير لمواقع الخطأ و يقوم الاعوجاج بمبدأ حفظ الحقوق و الممتلكات و الاعراض فهو حضاري

من يسعي للايثار في ظل حوجته الضروريه فهو حضاري

من يبتسم في وجه الاخرين و يقدم التنازلات فهو حقا” حضاري من الدرجه الاولي

من يعتز بوطنه و ارثه و يكون خير ممثل لبيئته فهو حضاري

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق